عصر المخاطر :بين الإرادة و الإدارة

الوطنية بريس _ أشرف بغداد
رغم التقدم العلمي و التكنولوجي في العصر الحديث يتضح جليا أن العالم و الكون و الحياة لا تزال مليئة بالأسرار ،ومفعمة بأمور مجهولة لا نعرف عنها شيئا ،بحيث أننا لم نعد نعرف لماذا نعرف. نرى العالم اليوم يتطور بشكل يتجه نحو التباعد بعد فترة من العولمة أدت الى تغيير عميق في الاقتصاد السياسي العالمي .
وإن إعادة تشكيل البلدان المندمجة هو أمر محفوف بالمخاطر المحتملة  خصوصا أن التوثرات الجيوسياسية و الجيو اقتصادية تزداد بين القوى العظمى ،وأنها تمثل المخاطر العالمية الأكثر إلحاحا في الوقت الحالي.
و على الإنسان أن يتوقع حدوث مفاجآت وأحداث في المستقبل ،قد تقلب توقعات البشر و رؤاهم و تغير كثيرا مما كان العلم و العلماء يتصورون أنه من الحقائق التابثة ،وكذلك الحال بالنسبة لكارثة كورونا وما تحمله من أخطار ،كان العالم يتصور أنه قد يتجاوزها بفضل احترازات وقائية لكن التغيرات المفاجئة التي تحدث في مناخ العالم ،تتعارض اليوم مع كل التقديرات السابقة و اصبحت تمثل خطرا على استمرار الحياة ذاتها على كوكب الأرض و التصدي لهذه الأخطار و مواجهتها أمر واجب و يتطلب المجازفة .هاته الأخيرة هي الطريق الصحيح و المنطقي إلى إحراز التقدم و أن المجتمع الذي يحرص على الأبتعاد عن المجازفة و تحاشي الأخطار هو مجتمع خامل يفتقر الى روح الريادة و الارتياد و طلب الرقي و إحراز التقدم .
وقد ظهر مصطلح “مجتمع المخاطر ” بقوة في تسعينيات القرن الماضي و منذ عام 1993 عقد عدد كبير من المؤتمرات و الندوات حول الموضوع،كما أقيمت بعض مراكز البحوث في عدد من دول العالم الغربي و أنشئت المجالات و الدوريات العلمية المتخصصة مما أدى الى سرعة انتشار المصطلح و المفهوم على نطاق واسع.
وفي مايو 2007 عقد منتدى امستردام ندوة عالمية عن مستقبل المخاطر ،اجتمع فيه زعماء الفكر في العالم لمناقشة التحديات الكبرى العالمية ، مع التركيز على موضوع دور المخاطر و المخاطرة في عمليات التجديد والنمو العالمي. وكان المنطلق هو أنه دون المخاطرة لا يمكن تحقيق النمو و التقدم و الازدهار .فالبحث عن المخاطر و الإقدام عليها في جرأة و تباث هما السبيل في معظم الأحيان لضمان الاستمرارية و المحافظة على الكيان .وقد تختلف المخاطر من مجتمع لآخر وفق درجة التقدم أو التخلف.ولكن المخاطر الحالية تأخد في العادة بعدا عالميا ،بحيث تصل تأثيراتها  إلى كل المجتمعات مع اختلاف غي التوقيت و الدرجة.فالأوبئة تنتشر سريعا بحيث تعم العالم بأسره في وقت قصير ،وهكذا مما يسبب صدمة للإنسانية ككل.
وليس من شك في أن هناك مجهودات تبذل لجعل الحياة أكثر أمنا وسلاما على الرغم من تكاثر المخاطر التي تتهدد العالم نتيجة للتقدم التكنولوجي في مختلف مجالات النشاط البشري لن يمكن التغلب عليها إلا باللجوء لوسائل تكنولوجية مضادة .فالأمر يتطلب إذن التعرف مسبقا بقدر الإمكان على النتائج المحتملة من تقبل المخاطر أو البحث عنها و الرغبة في تطويعها و توجيهها لتحقيق أهداف تصب في مصلحة المجتمع .ولن يتيسر ذلك إلا من خلال استخدام أساليب “إدارة المخاطر” “Risk Management ” بعقلانية و بطريقة علمية مدروسة ،تتوخى الإحاطة بجميع الاحتمالات و الاستفادة بكل المعلومات المتاحة و الاسترشاد بها بما يكفل النجاح،مع الأخذ بعين الاعتبار الآثار الإجتماعية و الثقافية و النفسية التي قد تنجم عن هذه الإجراءات .فالفشل في إدارة المخاطر يزيد من قلق المجتمع و المبالغة في تقدير حجم الخطر.بل ما يؤدي الى التردد و التخوف من تحدي المخاطر ،فضلا عن البحث عنها بكل ما يترتب على ذلك تدهور أوضاع البحث و الكشف و تعثر مسيرة التقدم .فمجرد التردد في تنظيم المجتمع على أساس تقبل المخاطر و التصدي لها سيسقط في الجمود و مهاوي السلبية و انعدام التفكير العلمي و سيطرة الجهل و التخلف و الشلل الاجتماعي و الديني .فمن المحتمل أن تؤدي هذه المخاطر الى قيام مجتمع جديد يكون أكثر تطورا و تلاؤما مع الظروف المستجدة .
فبعد الدمار يأتي الازدهار .


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...