الطبقة الوسطى : بين سندان الواقع و مطرقة السياسات 

الوطنية بريسأشرف بغداد

تعتبر الطبقة الوسطى بمثابة العمود الفقري للمجتمعات و الحضارات .تأسس و تمأسس التوازنات السوسيواقتصادية و السياسية,  بصفتها فئة مثقفة تحمل وزر التقدم و التطور في علاقاتها مع الفاعل و النظام .تتحمل ديكتاتورية البروليتاريا وزحف البورجوازية معا على حد سواء،تسدد فواتير بانتظام و تؤدي الضرائب بأشكالها المتعددة كما تروج البنوك بنسب فائدة مرتفعة ….
الأعلى يضغط و الأدنى يقتات و يحقد .كلها متاعب و مشقة تقوي الفئة العتيدة التي أغلب نساؤها و رجالها و شبابها ينضوون تحت القطاعين الحيويين (الصحة و التعليم) خاصة في البلدان العربية.
بلغ عدد الطبقة الوسطى بالعالم حوالي 90 مليون فرد بداية القرن العشرين و في ظل التغيرات السريعة للمحيط و ظهور الثورة الصناعية و تطورها ،اتسعت رقعة هاته الطبقة لتصل اليوم إلى حوالي 4 مليار شخص ينتمون للطبقة الوسطى العالمية التي تعد أكبر مجموعة ولا زالت تزداد بنسق سريع.
يرصد هذا التطور من طرف خبراء في البنك الدولي ضمن إحصائيات و دراسات يقومون بها،و تشير الدراسة إلى أن الطبقة الوسطى تسير نحو وصول 5 مليارات بحلول سنة 2027 ما يمثل 60% من مجموع سكان العالم.
منذ القرن التاسع عشر ،سيطر المفهوم الماركسي للطبقات الاجتماعية على مقاربة البنيات الاجتماعية حيث يتم تحديدها في التشكيلة الاجتماعية من خلال دورها في نظام أو نمط الإنتاج ومدى تجانس ثقافتها وقوة وعيها بمصالحها.و تخضع ، في هذا الإطار ، دراسة الطبقات الإجتماعية في المنتظم الرأسمالي إلى تصنيف ثنائي القطبية تتعارض بمقتضاه بورجوازية تسيطر و تملك وسائل الإنتاج و تستحوذ على جزء كبير من فائض القيمة الذي توفره الأنشطة الإقتصادية و طبقة عاملة تشكل المنتج الرئيسي لهذا الفائض مقابل أجور يوفر مستواها إعادة إنتاج قوة العمل الضرورية لاستمرارية النظام الرأسمالي.
ومن هذا المنظور، يتطور نظام الإنتاج الرأسمالي و مجتمعه من خلال مسلسل يشكل فيه الصراع الطبقي بين البورجوازية و الطبقة العاملة ،محركا لحركية التاريخ .واعتمادا على هذه القطبية الثنائية ،فإن الطبقة الوسطى التي لا تخضع لأي من المقاييس المحددة لمفهوم الطبقة الاجتماعية تشكل فئة خليطة تتموقع بين المطرقة و السندان لا تتوفر مقاربتها على أرضية ذات محتوى دقيق لكن يبقى دورها عميق . فئة محكوم عليها من جراء موقعها أن تتبنى سلوكا انتهازيا أو شريفا لفائدة هذا القطب أو داك حسب المصالح المتعارضة لمكوناتها و ظرفية النزاعات الإجتماعية و السياسية .
وعلى نقيض التصور الماركسي ،جاءت أعمال عالم الاجتماع الألماني “ماكس ويبر” بمعايير أخرى لتعريف الفئات الاجتماعية. تتحدد التراتبية فيها على أساس معايير أسلوب الحياة و نمط الاستهلاك و الحظوة أو “الشرف الاجتماعي”.
من هي الطبقة الوسطى ؟وما دورها ؟
الطبقة الوسطى هي الحاملة لعملية التغيير في المجتمع و أيضا الحامية له من التقلبات. جل المجتمعات تتعرض لمؤثرات و توترات خارجية و أحيانا داخلية. فهي القدرة على التكيف و التصدي و المجابهة و المقاومة التي لا تتوفر إلا في مجتمع به طبقة وسطى كبيرة و واسعة وفي نفس الوقت مثقفة و متعلمة. بمعنى أنها  قادرة على حمل المشروع الحضاري و الثقافي و التأطيري من جيل إلى جيل.
فدور الطبقة الوسطى ليس اقتصادي وفقط بل سياسي ثقافي و اجتماعي، وهم أكثر الناس اهتماما و إلماما بالعملية ( الاستهلاك، الادخار ،الاستثمار ).لذلك إذا ضاقت مساحة الطبقة الوسطى يصير المجتمع في هشاشة أعلى. وتشكل هاته الطبقة   غالبا في المجتمعات العربية في أسرة التعليم و الصحة فهم المخلصون المعلمون المرافقون هم من يشتغلون وكلاء اجتماعيين في مناطقهم و يعملون مع الناس و يخدمونهم و يربونهم .اليوم للآسف وضعيتهم متأزمة خاصة بالمغرب تسودها الشارات الحمراء و السوداء التي تغزو القطاعين مما يشير إلى التضييق على هاته الفئة و هذا لا يخدم تطلعات بناء مغرب ديموقراطي حداثي و حضاري.
نحن ليس ضد أنه الأستاذ أو الممرض أو الطبيب أن يأخذ حقوقه لكن مع إبقاء المركز المتميز لهما و الدراسات تؤكد المقارنة بين الدول عبر الزمن على أن رواتب موظفو التعليم و الصحة  كلما كانت  مرتفعة و مكانتهم محفوظة كان التعليم أفضل و الصحة أحسن. فعندما نرى أجود أنواع التعليم و الصحة في الدول التالية (اليابان،سنغفورة،وألمانيا والدول الاسكندنافية ..) نجد أن رواتب القطاعين مرتفعة ويتمتعون بمكانة اجتماعية مشرفة. ومن جانب الواجبات و شروط المهن المقدسة وجب تحديد شروط الأهلية فلذلك لابد من إعادة النظر .فبمجرد الحصول على شهادة الإجازة أو الدكتوراة هذا لا يعني أن نسلمهم أطفالنا وهم لا يعرفون بالوسائل التربوية و التوجيهية و لا بأسلوب التفاعل، و بعضهم لا يستطيع حتى الوقوف أمام الصف و يخاطبون مباشرة .فهذا يجب أن نعطيه أهمية في إطار التلائم بين الحقوق و الواجبات .
فتطرقنا لقطاع التعليم لا يستثني قطاع الصحة أو الأمن أو قطاعات أخرى .لكن موضوعنا يلم فئة عريضة من أسرة التعليم باعتبارها امتداد للطبقة الوسطى. و هاته الأخيرة يجب أن تحظى بدراسات جد معمقة و التفاتات تدبيرية لتوسيع فئتها من أجل الدفع بمغرب حداثي و تقدمي .فهي فرصة سانحة للدولة لاحتواء  ملف التعليم و الصحة معا و النهوض بهما للحد من النزاعات و التطاحنات الطبقية و الفكرية.
وختاما، و إننا إذ واعون، أن تثمين صورة الطبقة الوسطى وتحسين وضعيتها و وضعها في مكانتها عاملا حاسما من عوامل الصراع و النمو الاقتصادي و الاستقرار الاجتماعي حرصا على الأمن و الأمان.

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...