المستشار عبد السلام زوير: “سماسرة المحاكم مجرد إسم إعلامي، فأولاء في نظر العدالة مجرمون ومحتالون يسيؤون للقضاء”

الوطنية بريسزايد الرفاعي

حاوره: زايد الرفاعي

أكد عبد السلام زوير المستشار بمحكمة الاستئناف ورئيس المكتب الجهوي لنادي القضاة فرع مكناس، على أن القضاء على ظاهرة سماسرة المحاكم رهين بدور وزارة العدل في اتخاذ إجراءات حاسمة، ابتداء من تجهيز بنايات المحاكم بتصميم عصري جيد، وعلى قدر عال من التنظيم والتجهيز، مرورا بهيكلة طريقة الولوجيات باستعمال تقنيات التكنولوجيا الحديثة، على رأسها تثبيت كاميرات متطورا بأروقة ومحيط المحاكم، وانتهاء بسن مسطرة جنائية زجرية وفرض عقوبات قاسية على الوسطاء والشركاء والمتورطين.
وشدد الأستاذ زوير في حوار صحفي خاص، أجراه معه “زايد الرفاعي” على ضرورة تظافر جهود العناصر الأمنية، عبر التنسيق المحكم بين النيابة العامة والشرطة القضائية لتوقيف المشبوهين، علاوة على إشراك كل من فعاليات المجتمع المدني والهيئات الحقوقية والإعلام… على اعتبار أن محاربة الظاهرة واجتثات هذا الفيروس واجب مشترك، كونه يسيئ للمجتمع والقيم والأخلاق، قبل عرقلته للعدالة وإساءته للقضاء.

1) لقد شهد محيط المحاكم ظاهرة سميت إعلاميا ب “سماسرة المحاكم”.
ما رأيكم في الظاهرة باعتباركم باحثا في القانون ورئيسا للمكتب الجهوي لنادي قضاة المغرب بالدائرة الاستئنافية بمكناس؟
وإلى أي مدى تؤثر على السير العادي للملفات المعروضة على القضاء؟

* مبدئيا؛ الظاهرة ليست بجديدة أو حديثة العهد، بل متواجدة بعديد من الدول، وبروزها على المشهد مؤخرا يمكن إيعازه لوسائل التكنولوجيا الحديثة، وإلى مواقع التواصل الاجتماعي، من خلال تسجيل حوارات وتصوير إثباتات تلبس وتداولها بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، الأمر الذي جعلها تصبح أكثر ظهورا، لكنها بالمقابل ساهمت في استنفار المقاربة القضائية للتدخل بشكل حاسم من أجل القضاء على محاولات النصب التي يعتمد مرتكبيها على جانب
التخمين سعيا في الحصول على مبالغ مالية.
أما القضاء فيشتغل بغض النظر عن المؤثرات الخارجية، بتعاون مع النيابة العامة بغرض الخروج بمنتوج ينتصر للعدالة وينسجم مع مقتضيات دولة الحق والقانون.
وهذا ما نحاول الترويج والتسويق له عبر المنابر الإعلامية المهنية.
فأي صورة أو تصوير يسيئ أو يشكك في القضاء نتعرض له بإثبات ما يضحضه، تأكيدا للسير العادي للقضاء الذي دوره محاربة الفساد والقضاء على الرشوة وردع كل حالات النصب، ولعل هذا ما جعل نادي قضاة المغرب يتبنى منذ تأسيسه سنة 2011 شعار محاربة الرشوة والفساد، وهو ما نسجل أنه تم التفاعل الإيجابي معه بمجموعة من الخطوات المهمة – للتصدي لمثل هذه الظواهر المشينة – من خلال الرقم الأخضر لمحاربة الفساد والرشوة، كمؤشر إيجابي على الثقة في القضاء وانتصار قيم العدالة.

2) لقد تم ضبط بعض الحالات بكل من فاس وتازة والبيضاء ومدن أخرى تثبت تورط سماسرة ووسطاء يستغلون سذاجة ضحاياهم ويسلبونهم مبالغ مالية، وأشهر هاته الحالات، حالة الدار البيضاء أو ما عرف (بالنصاب والمنقبة)، فهل تم ضبط حالات مشابهة بمحاكم مكناس؟

* بالعديد من المحاكم تم ضبط حالات منافية للقانون تفيد استدراج ضحايا واستغلالهم بطرق احتيالية مختلفة، وإيهامهم بهتانا بالتوسط والتدخل في ملفاتهم، إلا أن حالة الدار البيضاء شكلت استثناءا نظرا لتسليط الضوء عليها إعلاميا وتكثيف التفاعل معها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بيد أن الحالة ذاتها لم يتم فيها إثبات تورط قضاة، كونها لا تعدو سوى حالة نصب من شخص مبحوث عنه سلفا، وقد اتخذ القانون مجراه.
وهنا لابد من الإشادة بدورية رئيس النيابة السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض والتي يدعوا فيها مسؤولي النيابة العامة بمختلف محاكم للملكة لضرورة اتخاد الاجراءات اللازمة و التنسيق مع مصالح الشرطة القضائية للبحث عن سماسرة المحاكم ومنتحلي المهنة الدنيئة بغرض حصولهم على مبالغ مالية، وتقديمهم للإمتثال أمام العدالة.

3) تنويرا للرأي العام كي يتمكن من فهم الظاهرة بوضوح، على من تطلق صفة سماسرة المحاكم تحديدا؟

* هي مجرد إسم إعلامي، فهؤلاء في نظر العدالة مجرمون يرتكبون أفعالا يعاقب عليها القانون، وتخالف مقتضيات القانون الجنائي، أي؛ نصابون يقدمون معلومات غير صحيحة، كوعود بتخفيض العقوبات وإيهام المعني بالأمر (الضحية) بالتوسط في قضيته المعروضة على المحكمة.
وهؤلاء قد وصفهم بدوره الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية الرئيس الأول لمحكمة النقض، بسيئي النية الذين يستغلون معاناة الضحايا وجهلهم بالقانون، مشيرا في كلمته بمناسية افتتاح السنة القضائية يوم الأربعاء 22 يناير من السنة الفارطة، إلى ضرورة التعامل بحسم وجدية مع هدا الملف وظاهرة السماسرة والوسطاء، مؤكدا أنه لن يكون هناك أدنى تساهل مع من يستغلون معاناة المواطنين.

4) ما هو رأي المسطرة الجنائية، وما هي الفصول أو النصوص التي يتم تطبيقها في حالة ضبط المنتحلين وشركائهم، وإدانتهم بالتهم الموجهة إليهم؟

* المسطرة الجنائية واضحة ولا تحتاج تأويلا، فكل من تم القبض عليه في حالة تلبس أو تبث تورطه بأي شكل من الأشكال يتم عرضه على النيابة العامة المختصة التي تتابعه وفق مقتضيات القانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية، ويتم عرضه أمام هيئة المحكمة لمحاكمته طبقا للقانون و ترتيب العقاب المناسب له سواء كان منتحلا أو وسيطا أو شريكا، بعد ثبوت ارتكابه للافعال الجرمية المنسوبة إليه.
وللتوضيح فقد اثبتث التحقيقات والمحاكمات أن هؤلاء (السماسرة) لا يشتغلون بشكل فردي، بل غالبا يتعلق الأمر بوجود أطراف اخرى تشارك معها في المسرحية، لإيهام الضحية بالإتصال بمحام أو قاض أو أي جهة على أساس تدخلها في قضية المعني بالأمر.
وعموما؛ فإن النصوص المطبقة – مبدئيا وحسب كل حالة- على المتورطين هي الفصل 540 و541 من القانون الجنائي بالنسبة لجريمة النصب، والفصول من 380 إلى391 من القانون الجنائي بالنسبة لجرائم انتحال الوظائف أو الألقاب أو الأسماء أو استعمالها بدون حق، بالإضافة في بعض الحالات للفصول 368 إلى 379 من القانون الجنائي بالنسبة لما يرتبط بشهادة الزور واليمين الكاذبة والامتناع عن الشهادة.

5) ماذا عن الضحايا الذين يتم استغلالهم والنصب عليهم، هل قانونيا يعتبرون أيضا شركاء ومعرقلون للعدالة، وبالتالي ينالون نصيبا من العقاب؟

* إنه يتوجب بالضرورة التمييز والفصل بين نوعين من الضحايا،
فهناك ضحايا يفطنون بفعل الإحتيال ويبلغون عن العملية والجريمة، وهؤلاء يعتبرون مساعدون للعدالة.
في حين يوجد ضحايا لا يقدمون أي شكاية إلا بعد النصب عليهم.
وفي سياق هاته العمليات، فإن المواطن يعتبر في جميع الأحوال ضحية لجهله بالقانون، فقط يتعين عليه أن يكون له إثبات ووسائل إثبات تجعل المتهم بإرتكاب فعل النصب مدانا أمام القانون، ويمكنه الانتصاب كطرف مدني امام المحكمة التي تبت في الدعوى العمومية المفتوحة في حق المتهم أو المتهمين بالنصب “السمسرة أو ما شابهها” للمطالبة بالحكم عليهم باداء تعويض عن الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت الضحية او الضحايا من تلك الافعال الجرمية.

6)إلى أي حد أثرت هذه الحالات بعد انتشارها بأروقة وجنبات المحاكم على سمعة المؤسسات القضائية؟

* الجواب: فعلا؛ إن انتشار هذه الحالات وتفاقم الظاهرة بجنبات المحاكم وأروقتها يؤثر سلبا ويسيئ لسمعة وحرمة القضاء.
لذا من واجب أسرة القضاء رفع ثقة المواطن في العدالة، وهذا يتسنى تدريجيا باجتثات هذا الفيروس الخطير من محيط المحكمة، بتكثيف المراقبة والدوريات من جهة، وبنص قوانين وإصدار أحكام زجرية، وعدم التماهي مع المدانين (السماسرة) ليكونوا عبرة لأي حالات أو عمليات نصب مشابهة مستقبلا، مع التذكير إلى أن من اهم الاختصاصات الموكولة حصرا لمؤسسة المجلس الأعلىللسلطة القضائية السهر على حماية استقلال القاضي من كل تهديد او محاولات للتاثير عليه بكيفية غير مشروعة باي شكل من الاشكال عملا بمقتضيات الفصل109 من دستور المملكة لفاتح يوليوز2011.

7)هناك تصريح للسيد وزير العدل سابقا محمد أوجار، مفاده؛ ضرورة تنظيف جنبات المحاكم من هؤلاء الأشخاص سيئي النية ومنتحلي الصفة سواء سماسرة أو شركاء، واتخاد إجراءات وقائية للحد من هذه الظاهرة والفيروس الخطير.
فما هي الإجراءات التي اتخدتها المحاكم أو ينبغي اتخاذها تطبيقا لتوجيهات وزارة العدل؟

*الجواب: بخصوص هذه النقطة، نعتقد أن دور وزارة العدل مهم في هدا الجانب، خاصة انه ينبغي أولا الاهتمام بتهيئة بنايات المحاكم وجعلها تسمح بتقديم الخدمة القضائية في أحسن الظروف، إذ بإنشاء فضاءات وبنايات بتصميم جيد وعلى قدر عال من التنظيم والتجهيز، أكيد لن نسمع بمثل هاته الحالات، وسيساهم بشكل كبير في الحد من انتشارها، مع توفير فضاءات جيدة لاستقبال وتوجيه المتقاضين والمرتفقين.
من جهة ثانية يستوجب تنظيم طريقة الولوج للمحاكم، وتجاوز بشكل نهائي الطرق العبثية التقليدية، ذلك عبر استغلال التكنولوجيا الحديثة وعلى رأسها تتثبيت كامرات متطورة لمراقبة ورصد أي حالة مخالفة، بمداخل المحاكم وفصاءاتها، وتتبع كل ما يتم تسجيله فيها والبحث بشان كل حالة تثير الشك، وأيضا تمشيط وتنظيف جنابات المحاكم من الأشخاص الذي يتربصون يوميا بمحيطها بحثا عن ضحاياهم.
أيضا إلى جانب التهيئة الجيدة للبنايات وتنظيم طريقة الولوج، ينبغي تظافر جهود العناصر الأمنية عبر تنسيق محكم بين النيابة العامة والشرطة القضائية ورجال الدرك ببعض المراكز نظرا لكون مساءلة المشبوهين خارج رقابة واختصاص المسؤولين داخل المحكمة.
هكذا سيتم ردع المتربصين والقبض على المنتحلين الذين غالبا ما يكونون من ذوي السوابق او المبحوث عنهم.
وتجب الإشارة هنا الى انه وتبعا لدورية السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض رئيس النيابة العامة المشار لها اعلاه، تم تنظيم حمالات ودوريات ساهمت بشكل كبير في محاربة هده الظاهرة والتقليل منها، والتي نتمنى ان يستمر ويتوسع المجهود المبدول لاجتثاتها بشكل كامل بادن الله تعالى، خاصة مع القيام بحملات للتوعية وتطوير الاليات العمل بمختلف المحاكم والرفع من مستوى التكوين والعناية بالموارد البشرية بالمحاكم، والانتقال للادارة القضائية الالكترونية بالشكل الحقيقي والتقليل من التعامل الورقي ومن الحضور الشخصي.

8) في نظركم الأستاذ عبد السلام زوير، ما هي الأسباب التي أدت إلى تفاقم هذه الحالات وانتشارها ليس بمحيط المحاكم فقط، وإنما بالعديد من الإدارات بربوع المملكة؟
وهل هناك فعلا مؤشرات إيجابية تروم إلى الحد نهائيا من هذا الفيروس؟

*الجواب: فعلا؛ كل ما ينطبق على المحاكم ينطبق على الإدارات العمومية.
بالتالي ضرورة تنظيم وتقنين الولوج للمؤسسات والادارت ومنها المحاكم وفق منهجية علمية حديثة وتواكب المستجدات التكنولوجية، والتشبع بثقافة المسؤولية والوطنية وربط المسؤولية بالمحاسبة، ونشر الثقافة القانونية.
علاوة على ما سبق، على جميع الإدارات خلق مناخ سلس ومرن للتواصل المباشر مع المواطن، وتمكينه من حاجياته سواء تعلق الأمر بوثيقة أو معلومة أو إجراء… لقطع الطريق ومنع سبل الاحتيال على من يستغلون معاناة المواطن لمآرب وأطماع شخصية ضيقة ودنيئة.
لكن؛ طبعا هناك تقدم ملموس بعد تكثيف الإجراءات الأمنية والقانونية والوقائية وتراجع كبير في القضايا المتعلقة بهذه العمليات الاحتيالية.
وأكيد سيتم القضاء بشكل نهائي على الظاهرة، كلما كان هناك تعاون المؤسسات الأخرى مع جهاز القضاء، فالإعلام والجمعيات والمجتمع المدني والمدرسة جميعهم شركاء في معالجة ومحاربة مثل هاته الأفعال والظواهر الخبيثة، لأن المسألة تتعلق بوعي وثقافة وأخلاق وقيم مجتمعية علينا جميعا أن نتجند لأجل نشرها وترسيخ التشبث بافضل صورها والمحافظة عليها.

9) بعيدا عن الموضوع؛ وفي علاقة مع السياق، ما هي الأنشطة والبرامج التي يستعد نادي قضاة المغرب – فرع مكناس- لتفعيلها في القادم من الأيام؟

* نشتغل في المكتب الجهوي لنادي قضاة المغرب بمكناس، على برنامج حافل هو الآن في طور التنفيذ، فالمكتب يشتغل على قدم وساق من أجل تنظيم ندوة دولية بشراكة مع كلية العلوم القانونية والاقتصادية والإجتماعية بمكناس، وكلية الحقوق بتولون بفرنسا، حول موضوع “طرق الطعن وعلاقتها بتوفر شروط المحاكمة العادلة”.
إضافة إلى ندوة وطنية بشراكة مع كلية الحقوق بمكناس وبعض المؤسسات الاخرى حول التوجهات الكبرى لمحاكم جهة فاس مكناس، ومبرمجا أن يحضر الندوتين ثلة من الأساتذة الجامعيون والقضاة والمحامون والحقوقيين والباحثين في الشؤون القانونية والحقوقية.
وللإشارة فالندوة الوطنية الموسومة ب “التوجهات الكبرى للمحاكم بجهة فاس مكناس” هي محطة تواصل مع قضاة الدائرة والجهة من أجل استثمار مجموعة من الخبرات، واقتراح توصيات يشارك في تفعيلها وتأطيرها نخبة من كفاءات القضاء، وهي تجربة أولى من نوعها على المستوى الوطني، طرحت فكرتها تكريسا لمضامين الجهوية المتقدمة، وهي فرصة لتلاقح تجارب وأفكار نوعية بين رجالات القضاء والقانون من جهة، وتناول قضايا مجتمعية من جهة ثانية.
أيضا يوجد مشروع ثقافي علمي ساري المفعول، هو إنشاء مجلة الإسماعيلية للدراسات القانونية، صدر لها عددين، وقد تم تخصيص حديثا ركن خاص للتعريف برجالات القضاء الذين تركوا بصمات مشرقة في كل ما يتعلق بالشأن القضائي.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...