زجل مثخن بالجروح ومتاهة الإنسان الغرباوي الشيخ ” المحبوب داني” نموذجا

الوطنية بريسمحمد السعدي

لعل المتتبع للشأن الثقافي الغرباوي أو المهتم به ولو قليلا وكدا بتجلياته وإسقاطاته وخصوصا في الشق الغنائي الشعبي منه يستشف من خلاله وعبر كل تلاوينه وبدون أدنى مواربة أن هذا الإنسان يعاني ويكابد محنة زمكانية مزدوجة في كينونته الموروثة وفي واقعه المعيش. فليس من الصدفة أن تجد أغاني هذه المنطقة الشامخة الغنية المسكينة في آن ، ملاذها في غناء الشجن والسواكن ومعاناة الجسد والروح، وليس من الغريب أن ترتكز تيمات الزجل والشعر حول الفقر والموت والغربة ومعاناة الإنسان الغرباوي الكادح. نحن أمام صورة نشاز حقا وأمام واقع مثخن بغدر التاريخ والجغرافيا .

وجبت مساءلة ثاراتنا الشفهي ، لماذا هو هكذا، وما به يذكرنا سوى بالكدح والغدر والمأساة، هل هي مواساة لذاتنا الجريحة، هل هي النكبة، ليست النكبة الكبرى تلك ولكن نكبتنا نحن، نكبتنا بين ماض مسلوب وحاضر هجين، أو لربما نكباتنا المتتالية التي جعلت من إنساننا الغرباوي إنسانا تائها، لا يستكين سوى لبوصلة الحمق والخبل وخمرة مسائية بجانب سبو العظيم ك “كتارسيس” تقربه من سواكنه الدخيلة أو لتطهره من جوفه المضمخ بالهزائم والرذيلة والعهر المنغرس في زمنه المغدور.
هل من الصدفة أن نستسيخ السمع للمحبوب ونتماهى مع زجله الجريح حتى الثمالة ونغمه القاسي الذي لربما هو، في جزء منه، سوى زجلا موروثا من أجيال غرباوية كادحة سابقة لزمنه الجميل المر ذاك، كما شهد لنا بذلك رفيقه ومريده الفنان بن علال، هل يستقيم مزاجنا الفني مع موضة فنية تتطلب منا أن نكون رفيعين رهيفين في إحساسنا وذوقنا، “وأي رفعة متهالكة تلك”، كما تروج له الأقلام والمنابر الهشة، أم نكسر الموروث ونتماهى مع فننا الغرباوي المتمرد كما هو والخارج عن المألوف ولربما الذوق، أي في صورته الغجرية المتبعثرة تلك التي تدعونا إلى الهبل والهيجان كأبطال ثورة بلا هدف، ولما لا الانفجار والانتحار والارتماء في وحل المساءة والمجون كنوع من تكسير كل إطارات الرجعية والنمطية الغبية والستيريوتيبية القاتلة. هنا رسول نيتش يخاطبكم ويدعوكم للانتباه وترك المهرج البليد .

لماذا نتماهى مع الشجن بكل أحاسيسنا، هل من الصدفة أن يبكينا كلام المحبوب داني وهو يردد بلحن الشيخ المتمكن الناهل من تربة الكلم العتيق ” آه يا الكاوني، تعالى المكاني تشوف حالي، رانا مريض شاكي” ـ “يا الزمان يا الغدار يا المهرسني من دراعي، نصبر أنا واش بيدي” و “شوشتوني راني مريض شاكي”
لا شيء يفسر كل هذا الكدم سوي الغدر الذي تلقاه الإنسان الغرباوي عبر الأزمنة المتعثرة المتتالية انطلاقا من نقطة صفر ذات يوم، فليس من السهل أن يتقبل سيد القبيلة أو لنقل سيد الأرض المهانة وهو يرى بأم عينيه كل شيء سلب منه غدرا وصار خادما لذي أولائك، مهانا من طرف الوافدين الغرباء السالبين للأرض والقيم والحياة .

بين الماضي والحاضر أشياء قاسية وقعت، فكيف لهذا الكادح أن يتنغم بكلمات العاطفة والحب والماء والخضرة والوجوه الحسنة وهو يعيش في صحراء قاحلة بين البساتين التي يملكها فارهو الأجساد، أولائك القاسون.
لم يفعل شيخنا داني سوى الغوص في دواخل روح الإنسان الغرباوي المقهور، في عمق نفسيته، وهو العالم، علم الدراويش، بدواخله لينسج فنا يليق به ويرمم انكساراته، فنا عميقا قاسيا يخفف عنه، نسبيا أو كليا، مآسيه ويدخله في جو روحاني متمرد يغوص به داخل اللا منطق واللا مادة واللا حواس، إنسانا منسلخا تماما عن واقعه المر ومندمجا في اللا حياة واللا مبالاة، عالم غيبي لا يعلم بكنهه سوى الإنسان الغرباوي التائه.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...